ملا محمد مهدي النراقي

483

انيس المجتهدين في علم الأصول

مثاله ما يقال في عدم إزالة النجاسة بالخلّ : مائع لا يبنى القنطرة على جنسه ، فلا يجوز إزالة النجاسة به كالدهن « 1 » . والحقّ أنّه لا يفيد العلّيّة وليس بحجّة ؛ لأنّ الدوران كذلك ، كما يأتي « 2 » ، فهو أولى بذلك ، ولأنّ الاطّراد كون الوصف بحيث لا يوجد إلّا وقد وجد معه الحكم ، وهذا لا يثبت إلّا إذا ثبت أنّ الحكم حاصل بنفسه في الفرع ، فلو توقّف معرفة ثبوت الحكم في الفرع على كون الوصف علّة ، واستند علّيّته إلى كونه مطّردا ، لزم الدور . احتجّ الخصم - وهم جماعة من العامّة - بأنّ عادة الشرع إلحاق الفرد النادر بالأعمّ الأغلب ولا دور ؛ لأنّا لا نحتجّ بالمقارنة في جميع الصور على العلّيّة ، بل فيما عدا الفرع « 3 » . وفيه : أنّ المقارنة لو دلّت على العلّيّة لدلّت في صورة المقارنة ، والفرع لم يثبت فيه المقارنة ، فإلحاقه بما ثبت فيه المقارنة يحتاج إلى دليل . غاية ما في الباب حصول ظنّ بإلحاق الفرد بالأغلب ، ومثله لا يصلح لتأسيس الحكم الشرعي ، سيّما على قواعدنا « 4 » ؛ لما عرفت « 5 » من قطعيّة بطلان القياس . والعجب أنّ بعضهم بالغ وقال : يكفي مقارنته في صورة واحدة لإفادة العلّيّة « 6 » . ولا يخفى أنّ تجويزه يفتح باب الهذيان . فظهر أنّ قياس الطرد البسيط باطل مطلقا . ثمّ إثبات الحكم في صورة المقارنة - كإثبات عدم إزالة النجاسة بالدهن - عمل بنفس الطرد ، وإثبات الحكم في صورة عدم المقارنة - كإثباته بالخلّ - عمل بقياس الطرد البسيط . ولمّا ظهر عليك كيفيّة التفريع مرارا ، فلا نطيل الكلام بإعادتها .

--> ( 1 ) . راجع : الخلاف 1 : 18 ، المسألة 8 ، والمبسوط للسرخسي 1 : 96 ، وبداية المجتهد 1 : 83 و 84 ، والمجموع 1 : 92 و 95 ، والمحصول 5 : 225 . ( 2 ) . يأتي في ص 487 ، الفصل 14 . ( 3 ) . قاله الغزالي في المستصفى : 323 ، والفخر الرازي في المحصول 5 : 221 ، والأسنوي في نهاية السؤل 4 : 135 و 137 . ( 4 ) . راجع مبادئ الوصول : 226 و 227 . ( 5 ) . تقدّم في ص 461 . ( 6 ) . حكاه الفخر الرازي في المحصول 5 : 221 ، والأسنوي في نهاية السؤل 4 : 137 .